المقريزي

254

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها اللّه تعالى إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا . فأتى الجار وقال : اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك ، فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام ، صك عمر رضي اللّه عنه للناس بذلك الطعام صكوكا ، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها ، فلقي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه العلاء بن الأسود رضي اللّه عنه فقال : كم ربح حكيم بن حزام ؟ فقال : ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم وربح عليها مائة ألف ، فلقيه عمر رضي اللّه عنه فقال له : يا حكيم كم ربحت ؟ فأخبره بمثل خبر العلاء . قال عمر رضي اللّه عنه : فبعته قبل أن تقبضه ؟ قال نعم . قال عمر رضي اللّه عنه : فإنّ هذا بيع لا يصح فاردده . فقال حكيم : ما علمت أن هذا بيع لا يصح ، وما أقدر على ردّه . فقال عمر رضي اللّه عنه : لا بدّ . فقال حكيم : واللّه ما أقدر على ذلك ، وقد تفرّق وذهب ، ولكن رأس مالي وربحي صدقة . وقال القضاعيّ في ذكر الخليج : أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عمرو بن العاص عام الرمادة بحفر الخليج الذي بحاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين ، فساقه من النيل إلى القلزم ، فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن ، وحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة ، فنفع اللّه تعالى بذلك أهل الحرمين ، فسمي خليج أمير المؤمنين . وذكر الكنديّ في كتاب الجند العربيّ أن عمرا حفره في سنة ثلاث وعشرين ، وفرغ منه في ستة أشهر ، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع ، ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة في ولايته على مصر . قال : ولم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه عمر بن عبد العزيز ، ثم أضاعته الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل ، فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم . وقال ابن قديد : أمر أبو جعفر المنصور بسدّ الخليج حين خرج عليه محمد بن عبد اللّه بن حسن بالمدينة ليقطع عنه الطعام ، فسدّ إلى الآن . وذكر البلاذري أن أبا جعفر المنصور لما ورد عليه قيام محمد بن عبد اللّه قال : يكتب الساعة إلى مصر أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين ، فإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر . وقال ابن الطوير وقد ذكر ركوب الخليفة لفتح الخليج ، وهذا الخليج هو الذي حفره عمرو بن العاص لما ولي على مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من بحر فسطاط مصر الحلو ، وألحقه بالقلزم بشاطئ البحر الملح ، فكانت مسافته خمسة أيام ، لتقرب معونة الحجاز من ديار مصر في أيام النيل ، فالمراكب النيلية تفرّغ ما تحمله من ديار مصر بالقلزم ، فإذا فرغت حملت ما في القلزم مما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر ، وكان مسلكا للتجار وغيرهم في وقته المعلوم ، وكان أوّل هذا الخليج من مصر يشق الطريق